استحق الشيخ راشد الغنوشي أن يكون شخصية سنة 2013
مقال طويل ولكنه مهم جدا :
استحق الشيخ راشد الغنوشي أن يكون شخصية سنة 2013 بلا منازع في تونس بعد أن أثبت في عدة مناسبات أنه الشخصية
المحورية للسياسة في البلاد وصاحب القرار العاقل الرصين الذي يضع مصلحة الوطن قبل مصلحة الحزب والجماعة ، ويمكن
الاستدلال على ذلك بالمؤشرات التالية :
1- عقب اغتيال السياسي شكري بلعيد عمت عديد المناطق في تونس موجة من العنف طالت مؤسسات الدولة ومقرات حركة النهضة رافقتها موجة اتهامات لحركة النهضة وللغنوشي شخصيا باغتيال بلعيد ، وقد كان بوسع النهضة رد الفعل ومهاجمة مقرات خصومها السياسيين واحتلالها واستهداف كل من تطاول عليها وعلى قادتها بالعنف ولكن ردها كان يوم16-2-2013 بحشد رهيب في شارع بورقيبة بالعاصمة قارب المائة ألف مواطن توّجَهُ فيه الشيخ راشد بخطاب داوى به الجروح وعزز الوحدة الوطنية وأثبت به أن النهضة مازالت الحزب الأول في البلاد رغم تآمر خصومها السياسيين ، بل وذهب إلى ما هو أبعد من ذلك بأن تنازل عن شكواه لدى القضاء ضد السياسي الفاسد سمير بالطيب .
2- استطاع الغنوشي أن يخرج من مكيدة توريط النهضة في المسؤولية عن مقتل بلعيد عبر طرح توسيع الحكومة الائتلافية و التنازل عن وزارات السيادة لفائدة وزراء محايدين من أجل نزع ذريعة التحجج بولاء تلك الوزارات للنهضة وتوسيع الترويكا لتشمل أكبر طيف ممكن من التيارات السياسية ورغم ذلك فقد أبت الأحزاب السياسية المشاركةَ في حكومة العريض لاقتناعها بأن بقاءها في المعارضة أقل كلفة من الدخول فيها في فترة صعبة جدا سياسيا واقتصاديا وأمنيا .
3- جاء اغتيال البراهمي يوم 25-7-2013 بعد أيام قليلة من انقلاب مصر الذي أطاح بالرئيس محمد مرسي ليعيد اتهام حركة النهضة بالمسؤولية عن الجريمة البشعة وكالعادة دون أن تقدم المعارضة المفلسة أي دليل مقنع على كلامها ، بل وصلت الوقاحة وانعدام المسؤولية لدى هذه المعارضة إلى الانسحاب من المجلس التأسيسي بدل التمسك به كمؤسسة شرعية منتخبة ، والدعوةِ إلى حلّه وإلى إسقاط حكومة علي العريّض .
وقد واجهت النهضة هذه المرة نُذُرا مؤكّدة بحصول انقلاب أمني وعسكري مشابه للانقلاب المصري خاصة بعد جريمة اغتيال الجنود في الشعانبي والذي زاد من تأجيج حالة الاحتقان في البلاد وأسفر عن حالات انفلات أمني في بعض المناطق الداخلية والدعوة إلى اعتصام الرحيل في باردو ، وكان الغنوشي كالعادة هو الشخصية التي ساهمت في وأد الفتنة وعقلنة ردود أفعال أبناء الحركة لمنعها من مهاجمة الخصوم والمعتصمين في باردو ، ودعا بالمقابل إلى تنظيم مسيرات ضخمة في كامل ولايات الجمهورية وإلى أكبر احتشاد شعبي في ساحة القصبة يوم3-8-2013 تجاوز المائتي ألف من أنصار النهضة والترويكا والثورة ، وقدم بذلك رسالة بليغة للداخل والخارج أن الشعب قد انحاز إلى الشرعية وليس إلى الانقلاب .
4- لقد أثار لقاء الغنوشي مع السبسي في شهر 8-2013 عاصفة من الاستنكار والتخوين له من طرف بعض ممن ينتسبون للثورة باعتبار أنه من غير المعقول أن يجلس أحد كبار ضحايا الدكتاتورية مع أحد أكبر رؤوس الثورة المضادة والتجمع في تونس ، خاصة وأنه يأتي بعد أيام قليلة من حشد القصبة الكبير ، ولكن يبدو أن الشيخ راشد كانت عينُه متجهة إلى تأمين المسار الانتقالي بأقل الأضرار الممكنة وكسر عزلة النهضة وتخفيف حدة الاحتقان السياسي في البلاد ، في براغماتية أذهلت الجميع في الداخل والخارج ، وذهبت بعض الأسنة الخبيثة إلى الزعم بأن النهضة قد خانت الثورة وقبلت باقتسام السلطة مع (نداء التجمع) ولكن ثبت اليوم وبعد قرابة خمسة شهور من ذلك اللقاء ، أن الغنوشي لم يُقدم للسبسي وحزبِه لا منصب رئاسة الحكومة ولا منصب رئاسة الجمهورية ولا حقائب وزارية بما يثبت بالدليل القاطع بأن بوصلة الشيخ راشد الغنوشي مصوّبة فعلا على تحقيق أهداف الثورة ومنع عودة التجمعيين إلى مراكزهم القديمة .
5- وضع الغنوشي أمام عينيه أهدافا كثيرة قبل المشاركة في الحوار الوطني وهي تهدئة البلاد وتهيئتها لانتخابات حرة نزيهة بمقاييس دولية يشارك فيها الجميع ويقبل الجميع بنتائجها ، فضلا عن الانتهاء من كتابة دستور يمثل جميع أطياف الشعب التونسي ويرضي جميع المشاركين فيه وتقديم نموذج لبلد عربي نجح في تحقيق انتقاله الديمقراطي بأقل الأضرار الممكنة ، فوقّع بذلك اليخ راشد على خارطة الطريق وسط اعتراض عدد كبير من قواعد النهضة باعتبار أن تلك الخارطة تمثل انقلابا ناعما على الثورة والحركة ( بعد فشل الانقلاب العسكري) يؤدي إلى خروجها من السلطة دون الحصول على ضمانات تحميها من غوائل غدر المعارضة بها والزج بأنصارها في السجون مرة أخرى ، وسار الحوار تحت شد وجذب ، نجحت خلاله النهضة في إعادة نواب المعارضة إلى المجلس من أجل أن يستكملوا مهامهم في لجانه .
وقد أثبتت الجلسات التفاوضية بين الغنوشي وقيادات اتحاد الشغل قدرات كبيرة للشيخ راشد على المناورة والإقناع قادَتْه إلى كسب ودّ العباسي لصالحه وإقناعه هو و بقية أطراف الرباعي بصواب كثير من آرائه وأفكاره ،و أدت في النهاية إلى كسر التحالف (غير المعلن) بين اتحاد الشغل والجبهة الشعبية وإلى تفتيت ما يسمى الاتحاد من أجل تونس وانقسامه على نفسه وإلى خروج تونس من بين كل ذلك برئيس حكومة جديد لا تملك المعارضة الجُرأة على القول بأنها ستعطل عمله كما فعلت مع حكومة الجبالي والعريض حتى لا تظهر في صورة المعطّل للمسار برمّته .
6- نجح الغنوشي في تقديم حركة النهضة كحركة عصرية ذات مرجعية إسلامية تؤمن بعمل المؤسسات وتمتثل لقرارات مجلس الشورى الذي بات موعدا تنتظره النخب السياسية والإعلامية لمعرفة قراراته وتوجهاته ، فنقل بذلك الغنوشي حركته من حركة مختزلة في شيخ يأمر فيطاع إلى مؤسسة يدلي فيها الأعضاء المنتخبون بآرائهم التي قد تصل بهم إلى معارضة الموقف الشخصي لرئيس حركتهم دون الوصول بهم إلى مغادرة النهضة والاستقالة منها .. وهو ما بات مشهدا مفقودا في الحركات والأحزاب المنافسة التي تشهد دكتاتورية داخلية واستقالات متتالية وانشقاقات لا تحصى ولا تعد .
قد يعترض البعض على اعتبارنا الشيخ راشد الغنوسي الشخصية الأولى لسنة 2013 ، ولكن نرد عليهم بالقول : "بضدّها تُعرف الأشياء" ، أي هل توجد في تونس شخصية وطنية عملت على تحقيق الوحدة الوطنية وتجميع التونسيين تحت راية الوطن وتقديم حلول وفاقية تنزع فتيل الأزمات والاحتقان من البلاد ؟؟
المؤكد أنه لا السبسي ولا الهمامي ولا العباسي ولا أي طرف من الأطراف السياسية الفاعلة اليوم كانت له القدرة أو الفاعلية على تحقيق ذلك ، في فترة عَرَّت انقلاب الكثيرين على الثورة وتحالفهم مع أعدائها من أجل الحصول على مكاسب سياسية وشخصية لا ترتقي إلى ما تطلبه المجموعة الوطنية من إنجاح للثورة ومتطلباتها وتعزبز للوحدة والتآلف والتضامن بين مكونات الشعب التونسي .
0 commentaires:
إرسال تعليق
قابس; اليوم; اخبار; قابس; اليوم; احداث; قابس; اليوم; الحامة; قابس; اليوم; قابس; هذا; اليوم; الطقس; في; قابس; اليوم; قابس; اليوم; اخبار; قابس; اليوم; احداث; قابس; اليوم; أخبار; قابس; اليومية; الحامة; قابس; اليوم; قابس; هذا; اليوم; الطقس; في; قابس; اليوم